كثر القيل والقال حول الأمازيغية, وهده نقطة إيجابية , لأنها إن دلت على شئ فإنما تدل على أن هده القضية أصبحت مسموعة ومتداولة وفرضت نفسها لما تحمله من قيم أخلاقية وإنسانية عالية حول سبل ترسيخ ثقافة التعدد والاختلاف والعيش بكرامة. هدا ما تصبو إليه الحركة الثقافية الأمازيغية, أفرادا وجماعات, في نضالها. إلا أن حفنة من الأشخاص ( قد تكون مصابة بأنفلونزا العظمة ) تدعي الثقافة والعلم، تشن هجمة شرسة محاولة من خلالها محو وإبادة كل ما له علاقة باللغة والثقافة والهوية الأمازيغية, عن طريق سياسة التعريب التي نستشف من مقدمة ابن خلدون على أنها تخريب , أو عن طريق شتائم والتحريض على العنف وإلفاق تهم زائفة أو تكريس لعقلية أمية ( جاهلية ) أو في أحسن الأحوال , ردود أو شبه مقالات تحوي افتراءات وأفكار مغلوطة لا تمت للمنهج العلمي بأية صلة, وصاحبنا يندرج ضمن لائحة المنتمين إلى هده الحفنة، لكننا سنتقبل هده النقطة الأخيرة إيمانا منا بمنطق الحوار وحق الاختلاف.
عندما تتبادر إلى مسامعنا كلمة الأمازيغية فليس من الصواب أن نقزمها لتعني فقط -وبتلك البساطة- لغة الساكنة الأصلية لتموزغا, البساطة هنا لم تأت أكلها لأنها تسقط في فخ الإيديولوجية, الدي ينطوي على رؤية تحقيرية مازالت راسخة. الأمازيغية إذن مفهومها أوسع وأرحب, فإلى جانب اللسان ولغة التبادل والتخاطب هي حضارة وهوية وثقافة, هي نمط عيش, هي ادن كل ما أنتجه الإنسان الأمازيغي بربوع شمال أفريقيا.
أصر صاحب المقال على وجود "اشكالات بالملف الأمازيغي" قسمها إلى ثلاث نواحي , ولم استطع شخصيا أن أستوعبها ليس لقصور عقلي, بل لأنها مفرغة من الداخل ( جوفاء إن صح التعبير ), ما يجعلنا نجزم على أن صاحبنا أسال مداده لملأ الفراغات بجمله الثعبانية. أجدني ادن أود الحديث حول هده النقطة لأوضح وأصحح بعض المغالطات الواردة بالمقال و التي تؤيدها شرذمة من الأشخاص.
من الناحية اللسانية : ادا كان أغلب المثقفين وكدا العوام يتحدثون عن عدة لهجات مكونة للغة الأمازيغية فهدا اللغط ليس إلا محاولة لتشتيتها وتقزيمها (من طرف كل من الاستمزاغين الغربي والعربي ), وقد فطن المختطف د. بوجمعة هباز إلى هدا الانحراف المعرفي مؤكدا على أن الفرق بين اللغة واللهجة ليس لسانيا مستشهدا بما جاء به "دي سوسير" في هدا الصدد حيث يقول : "ففي حالة إهمالها ( أي اللغة ) تبقى عبارة عن لهجات كل واحدة منفصلة عن الأخرى ومن ثمة تصبح مهددة بانقسام لا محدود", ما يؤكد حسب ذ. لحسن زروال, على أن هدا التمييز بين اللغة واللهجة هو تمييز غير لساني بل سياسي , من هنا يتضح بجلاء على أن اللغة هي لهجة مدعمة من طرف مؤسسات الدولة, بينما اللهجة هي لغة أقصيت من هده المؤسسات. أو بتعبير آخر, اللغة هي لهجة سيطرت وانتصرت سياسيا على اللهجات الأخرى. وبحسب منطق هذا التحليل نخلص إلى القول على أن اللغة واللهجة لا فرق بينها من ناحية بنيتهما اللغوية الداخلية. الإشكال إذن, ليس "بالملف الأمازيغي" بقدر ما يكمن بالسلطة السياسية التي تؤمن ببعض الثوابت: كالتعريب, اد تغيب إرادة سياسية حقيقة لدى هده الأخيرة من أجل النهوض باللغة الأمازيغية, وغياب سند قانوني يدعمها. أما عن "اللهجات" التي تعشق كثيرا بعض الكراكيز الحديث عنها, أظن أنه كان من الأولى طرح بعض التساؤلات الأساسية والجوهرية : هل الاختلاف قائم بالفعل أم لا ؟ إن كان نعم فهل هو عميق أم سطحي ؟ الإجابة عن هده التساؤلات نظريا وبراكسيسيا تؤكد لنا أن الفرو قات طفيفة, تعزى إلى طريقة النطق التي بدورها ترجع إلى عوامل وسطية وجغرافية ومناخية.
عملية الكلام, هي عملية معقدة, تحتاج إلى استهلاك كمية معينة من الطاقة الداخلية في الجسم, والتي يوفرها الوسط الذي نشأ به المتكلم.
سيلاحظ الزائر لمنطقة سوس ( التي تتميز بظروف طبيعية معينة : حرارة, رطوبة, تضاريس, مناخ... ) على أن الأمازيغي المنحدر منها حينما يتحدث بلغته الأم ( تامازيغت ) فهو يتكلم بنوع من البطء لأن تلك الطاقة الحرارية التي يفترض أن يستهلكها خلال هذه العملية, يكون الوسط الذي ينتمي إليه قد وفر جزءا كبيرا منها. عكس الأمازيغي المنحدر من الريف مثلا, الذي يتحدث بنوع من السرعة قد تفضي إلى ابتلاع حرف ما, وهدا طبيعي, لأنه راجع إلى نفس العامل أي المناخ الدي يتميز بالبرودة, ما يعني أن الطاقة الحرارية لا توفرها بيئته بنفس المقدار, ما سيجعله يسرع في الكلام لكي يقتصد استهلاك الطاقة الداخلية.
هدا الاختلاف الطبيعي أعطانا كدلك نوعا من الاختلاف النسبي في التركيبة النباتية والحيوانية بالمنطقتين, إذ نستطيع أن نجد نوعا من النبات, ينمو بمنطقة الريف الباردة, يتخذ سكانها اسما لذلك الشيء الذي سيكون غريبا على الأمازيغي المنحدر من سوس, إذ لا يوجد بها.
من الناحية التصورية: في محاولة منه لاقناع الجماهير, يكتفي صاحب المقال في حديثه حول الناحية التصورية بالقول على أنه "متضارب إلى درجة التناقض أحيانا". دخل صاحبنا, إذن, معمعة النقاش حول القضية الأمازيغية وهو متأثر بخطاب ديماغوجي إقصائي ومعادي لكل ما هو أمازيغي, ودلك لانعدام الوعي بالذات الهيغلي, الذي يؤكد على أن الشخص إن لم يكن واعيا بذاته فانه ينزل من مرتبة الإنسان إلى مرتبة الشيء, ما يجعله قابلا للتملك.
تؤمن كل مكونات الحركة الثقافية الأمازيغية بمشروعية وعدالة قضيتها, وتسعى إلى ترسيخ قيم تيموزغا التي قوامها الديموقراطية, النسبية, الحداثة,العلمانية...النابعة من الأعراف الأمازيغية التي يحاول البعض الطعن فيها من خلال ما يسمى زيفا وظلما ب :"الظهير البربري".
أعطى بعض الملوك العلويين موقفا إيجابيا ( تجهلونه أو غالب الظن أنكم تتجاهلونه ) إزاء هده الأعراف, "فالمولى سليمان" عبر عن موقفه منها في رسالة وجهها إلى أعيان فاس جاء فيها : ( احفظوا هذه الوصية واحذروا فان الدين نصيحة, اللهم أشهد فان أردتم أمان أنفسكم يا أهل فاس, فادخلوا حلف البربر, فان لهم قوانين ومروءة تمنعهم من الظلم ويقنعون بالكفاف ).
تجدرالاشارة إلى أنه في عهد سليمان بن محمد بن عبد الله لم تكن تلك الكولونيالية التي يحاول البعض إسنادها وجعلها حليفة للأمازيغ ويكذبون الحقائق التاريخية التي أبانت عن بسالة هذا العنصر في رفضه لها ووهن النخبة العروبية حيال ذلك.
أقر "المولى الحسن" الأعراف الأمازيغية بالقبائل التي دخلت تحت نفوذ المخزن, ثم بعده "المولى يوسف" الذي أصدر ظهير 11 غشت 1914 المتعلق بإدارة القبائل الأمازيغية فابنه محمد بن يوسف الدي وضع في رسالة قرأها أئمة مساجد كبريات المدن المروكية, أثناء صلاة الجمعة يوم عيد المولد النبوي الذي احتفل به في 11 غشت 1930, الدوافع التي أدت إلى إصدار ظهير 16 ماي 1930, أورد فيها ذ. محمد مونيب في ( ظهير تنظيم المحاكم العرفية "الظهير البربري" ما حقيقته في تاريخ المغرب المعاصر ؟ ), ما يلي: (وهكذا استمرت ممارسة هذه الأعراف عدة قرون, و آخر من اعترف بها للقبائل الأمازيغية, أبونا المعظم والممجد الذي لم يحد في ذلك سوى حدو أسلافه, لهدف واحد هو إعطاء البربر وسيلة تسوية مشاكلهم لتنمية الأمن فيما بينهم. ولا يمكن اعتبار هده الالتفاتة وسيلة للإدارة المخزنية. وقد قررنا بأنفسنا مثل هده التدابير بظهيرنا الشريف. غير أن شبابا دون مستوى التمييز, وغير واعين بخطورة أعمالهم المنافية للقانون, يحاولون إيهام الناس بأن التدابير التي قررناها لا تهدف سوى إلى تنصير البربر, وقاموا بدلك بمغالطة الجمهور, وحثوا الناس على التجمع بالمساجد, وقراءة اللطيف اثر أداء شعائرهم الدينية, محولين بهده الطريقة, الصلاة إلى مظاهرة سياسية من شأنها إثارة البلبلة في النفوس. ( محمد الخامس اللي قال هادشي, ماشي أنا )
اعتبر صاحب المقال بعض أفكاره المغلوطة على أنها موضوعية, وفي محاولة لتصحيحها, فان الاسم الحقيقي الذي أطلقه المشرع على هذا النص القانوني هو ( الظهير المنظم لسير العدالة بالقبائل ذات الأعراف الأمازيغية والتي لا توجد بها محاكم لتطبيق الشريعة ) صدر في ثمانية فصول ويحمل الطابع السلطاني "سيدي محمد ملك المغرب". أما القرار الوزاري الصادر بتاريخ 18 أبريل 1934 تطبيقا للظهير, فقد استعمل اصطلاح ( تنظيم المحاكم العرفية ) المتداول رسميا آنذاك .
لم يكن الظهير يضم أدنى تفرقة بين الأمازيغ والعرب كما يروج العروبيون, رغم وجود ما يثبت عكس مزاعمهم بالظهير نفسه, وبالضبط في الفقرة الأولى من الفصل الأول منه حيث جاء : ( إن المخالفات التي يرتكبها الرعايا المغاربة بالقبائل ذات الأعراف الأمازيغية بايالتنا الشريفة والتي ينظر فيها القواد في بقية مملكتنا السعيدة, يقع زجرها هناك من طرف رؤساء القبائل ).
إذا افترضنا جدلا أن سياسة التمييز التي صدرت من فرنسا, قائمة آنذاك, فماذا يمكن أن نقول أو أن يقول هؤلاء الذين يدعون الموضوعية،اتجاه الموقف السلبي لمحمد حسن الوزاني زعيم حزب الشورى والاستقلال وممثل النخبة الفاسية والمشارك في المظاهرات ضد الظهير, من اللغة الأمازيغية عندما وصفها باللهجة البربرية، أنها ليست سوى لهجة رعاة وقوم سذج؟ ماذا سيقولون حيال الموقف العدائي الذي صدر من هذه الطبقة لما أرادت الضغط على "المولى عبد الحفيظ" لتوقيع معاهدة الحماية, فنصحته بأن يسلط الكفار على الفجار, والفجار عندهم هم الأمازيغ ؟ و بمادا سيبررون كذلك لما تقدمت نخبة من هذه الطبقة في دجنبر 1934, إلى السلطة الفرنسية, بوثيقة للمطالبة بالإصلاحات, فهنأتها بالانتصار على البرابرة المتمردين, وجاء هذا بعد أربع سنوات فقط من قراءة اللطيف وتضرعها إلى الله أن لا يفرق بينهم وبين اخوتهم البرابرة ؟
أسهبنا كثيرا في الحديث حول "ظهير تنظيم المحاكم العرفية" وأحيي بالمناسبة كل ايمدوكال الذين حاولوا توضيح الأمور: الحسيمي, أوشهيوض, ....... واخرون. كما أحيل المستلبين فكريا إلى مرجعي ذ. محمد مونيب : "الظهير البربري أكبر أكذوبة في تاريخ المغرب المعاصر" وكذا "أوهام الظهير البربري السياق والتداعيات" للأستاذ ع. المطلب الزيزاوي, لعلهم يهتدون.
من الناحية التنظيمية: صحيح أن هناك تعددا في المذاهب, من حزب سياسي إلى جمعيات بشتى تلاوينها مرورا بالجامعة ثم الهيات الحقوقية, كل هذا يقدم ويعطي إضافة نوعية إلى المشهد الأمازيغي وليس العكس, فحسب المنطق الرشدي : الحقيقة واحدة لكن السبل التي تهدي إليها متعددة.
اقتحمت كلمات أجنبية, اللغة الأمازيغية, وهذا يعزى بالأساس إلى استلاب فكري مورس على الإنسان الأمازيغي. لكن ما جاء به صاحب المقال من كلمات وقال على أنها نفسها في اللغة الأمازيغية , خطأ. لأن الأمازيغ عرفوا الله قبل الغزو العربي لشمال أفريقيا , فالله هو "أكش" ( و منها كلمة مراكش "أََ َمور واكش" أي أرض الله)، و الرسول هو "أرقٌاس". هنا أنتقل و أتساءل، أين تظهر المطابقة بين كلمتي "الصلاة" و "تازاليت" كما يدعي صاحبنا؟؟ قد تكون هذه ( و بلا شك ) أعراضا جانبية لهستيريا العروبة.
يخجل صاحب المقال عندما يسمع تلعثم مسؤوليه يتحدثون أمام كاميرات الجزيرة( التي تقوم بترجمة اللغة الدارجة خلال النشرة المغاربية حتى يفهمها العربي المشرقي الحقيقي), وأكيد أنه سيخجل من الإحصائيات الرسمية الأخيرة الصادرة عن المجلس الأعلى للتعليم والتي أقرت أن 100/60 من التلاميذ لا يتقنون العربية والحساب الذي يلقن لهم بنفس اللغة, ولأن صاحبنا يحب البساطة فهذا راجع ( بكل بساطة ) لكون المغاربة ولسوء حظه, ليسوا عربا.
أفولاي/30-08-09